أخبار عاجلة



الفلسفة والشعر



الفلسفة والشعر
الفلسفة والشعر


د. سعيد توفيق

اعتدنا في مجال الفلسفة أن نتحدث عن «الفلسفة والشعر»، وهناك كتب ومقالات بهذا العنوان؛ وهذا يستدعي السؤال: الفلسفة والشعر أم الشعر والفلسفة؟ هل هناك دلالة للتقديم والتأخير في هذه الحالة؟ أرى أن المسألة هنا هي مجرد المنظور الذي ننظر منه بحسب الأرض التي نقف عليها، فإذا كانت الفلسفة والشعر أشبه بجبلين يطلان على وادٍ مشترك بينهما كما صورهما هيدجر؛ فإن هذا يتوقف على الجبل الذي نقف على قمته:
إذا كنت تنظر إلى الأمر من منظور أرسطو الذي كان يقف على قمة جبل الفلسفة في عصره، ستجد أن الفلسفة عنده هي الأصل والمرجع والمعيار حينما يميز الشعر بقوله: «إن الشعر أكثر من التاريخ حظاً من الفلسفة»؛ لأن التاريخ يعبر عن الجزئي، في حين أن الشعر يعبر عن الكلي. ولقد أفاض الفلاسفة في تفسير هذا القول الذي لا يزال صالحاً حتى يومنا هذا؛ لأن الشعر الحق يشارك الفلسفة في أنه يقدم لنا رؤية كلية للوجود، ولكنها مكثفة في اللغة الشعرية؛ إذ إن الشاعر لا يعبر عن هذه الرؤية بلغة التصورات الفلسفية المجردة، وإنما يعبر عنها في طابعها الحسي الملموس الذي يتجسد فيه المعنى والدلالة بلغة لا يمكن استبدالها، أي من خلال الكلمات بصوتياتها وإيحاءاتها التي تومئ إلى المعنى.
وإذا كنت تقف على جبل الشعر مثلما وقف الشعراء الكبار، فسترى أن الفلسفة لن تعينك بلغتها التقليدية على رؤية المشهد الذي تراه من قمة جبل الشعر. ذلك أن لغة التصورات المجردة لن تعينك على الإمساك بتجربة الحياة في طابعها المحسوس والملتبس والغامض أحياناً. ولهذا فإننا نجد أن بعض الفلاسفة قد مالوا إلى التعبير عن رؤاهم الفلسفية بلغة لا تخلو من الحالة الشعرية. هذه الصلة الوثيقة بين الشعر والفلسفة نجدها ماثلة بوضوح في الحضارات الأقدم عهداً من عالم قدماء اليونان. ولذلك يقول جادامر: «إن السؤال الذي يكون مطروحاً في هذه الصيغة: ‹لغة شعرية أم دينية؟› هو سؤال سيكون دون اللياقة حينما نكون في مواجهة تقاليد الفكر الهندي أو الصيني؛ ولسيكون أمراً خلواً من المعنى أن نسأل عما إذا كان ينبغي من حيث المبدأ اعتبار لاو-تسي Lao-tze شاعرًاً أم مُعلِّماً دينيّاً أم فيلسوفاً.
***
الحكمة الفلسفية نطقت منذ قديم الزمان بلغة شعرية تشبه النصوص المقدسة المقتضبة، فنحن نجدها في بعض شذرات هراقليطس المقتضبة التي وصلتنا من مجمل فلسفته الضائعة، والتي نستدل من خلالها على هذه الفلسفة. وتظل كلمات هراقليطس مقتضبة، وهي تشبه الإيحاءات والتلميحات التي نجدها في النص الديني مثلما نجدها في لغة الشعر، فهي تشبه لغة الكهنة في معبد دلفي التي تلمِّح دائماً ولا تُصرِّح أبداً.
حقاً إن الروح «الأبوللونية» قد اقترنت بروح الشعر باعتباره الفن الأكثر وضوحاً في التعبير عن الفكرة بحسب فهم هيجل للشعر. ولكن هذا الفهم الهيجلي لروح الشعر في صلته بالتفلسف قد قلبه نيتشه رأساً على عقب، فجعل روح الشعر تكمن في التراجيديا أو المأساة، وهي الروح التي يصفها بأنها روح «ديونيزوسية»، وهي عنده روح يسودها الغموض والتمرد والانفلات والعواطف الجياشة، لا الوضوح العقلاني؛ وبذلك فإنها تكون أكثر قدرة على التعبير عن الحياة ذاتها.
وهذه الصلة بين الفلسفة والشعر التي أعاد نيتشه إحياءها كانت ثورة على الفلسفة الأكاديمية التي فقدت مكانتها، والتي استردت مصداقيتها عندما اقتربت من حدود لغة الشعر من خلال فلاسفة الوجود، وعلى رأسهم هيدجر.
كما أن أكثر الفلاسفة صرامة في صياغاتهم للقضايا الفلسفية المنطقية، وجدوا في النهاية أن العالم نفسه أوسع كثيراً من حدود اللغة المنطقية الصارمة، واكتشفوا بعد طول تأمل أن تجربتنا في فهم العالم تنطوي على مناطق غامضة لها طبيعة صوفية تتجاوز حدود معرفتنا المباشرة، ومن ثم لا تستوعبها لغتنا المنطقية. ولاشك في أن حالة الفيلسوف المنطقي الكبير ﭭتجنشتين قد عبرت عن هذا المأزق على مستوى الدرس الأكاديمي حينما عبر في فلسفته عن نزعة صوفية لا يمكن استيعابها من خلال اللغة المنطقية. وإذا كان نيتشه قد تجاوز هذا المأزق بصورة عملية في صياغته لفلسفته، فإن هيدجر قد تمثله وأفصح عنه فلسفياً، أعني على مستوى الدرس الفلسفي.
وعلى غرار نيتشه وهيدجر سار فلاسفة عظام من أمثال جاستون باشلار... ذلك العالِم الذي تحول إلى الفلسفة، ولكنه لم يعبر عن فلسفته في لغة العلم ولا في لغة الفلسفة التقليدية، وإنما من خلال لغة التأمل الانعكاسي التي تعبر عن خبرات لا يمكن وصفها من خلال لغة العقل أو التصورات المجردة، ولذلك كان يستعين بمقاطع شعرية لشعراء كبار فيما بين ثنايا سرده الفلسفي/ الشعري. ويكفي القارئ أن يطَّلع على ذلك من خلال كتاباته العديدة، وعلى رأسها كتابه الشهير «جماليات المكان».
وما أود قوله في النهاية هو أن الشعر لا يمكن أن يصبح فلسفة خالصة؛ ولكن الفلسفة أيضاً لا يمكن أن تصير شعراً خالصاً. ذلك أن جَبَلي الشعر والفلسفة يشرفان على واد شاسع لا حدود له، وكل شيء في هذا الوادي يكون موضوعاً لتأمل الشاعر والفيلسوف، فالوجود كله ملك لهما. ولذلك فإن الشاعر الحقيقي يشارك الفيلسوف في موضوع تأمله، ويخالفه في أسلوب تأمله من خلال اللغة؛ ولكن الفيلسوف يحاول أحياناً أن يقترب من لغة الشاعر، حينما يلجأ إلى لغة أخرى غير لغة التصورات الفلسفية المجردة ليصف شيئاً من حقيقة أو ماهية الوجود، فيلجأ إلى لغة تتجاوز اللغة العادية التي تشير إلى مجال الوقائع أو ما يحدث هناك في العالم؛ لأن أفق العالم أوسع من ذلك بكثير.

 

صدى العرب صحيفة الاتحاد




تم نشر هذا المقال اولا على موقع صحيفة الاتحاد

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الاتحاد ولا يعبر عن وجهة نظر صدى العرب وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الاتحاد ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.



التالى الليلة فى السيرة.. فيفى عبده تكشف تفاصيل تربيتها الحازمة لبناتها