أخبار عاجلة

مات والدها فاسودت الدنيا.. «منة» تبحث عن وجه جميل للحياة - المحافظات -

صدى العرب

كان شتاءً شديد البرودة، حيث غطت الغيوم سماء محافظة الجيزة، خلت الشوارع من المارة في الصباح الباكر، تحسباً لسقوط أمطار غزيرة، بعد أن شهدت المنطقة زخات متقطعة طوال الليل.  

«منة»، البالغة من العمر عشر سنوات لم تنم جيداً، بسبب أصوات البرق والرعد، وعلى الرغم من ذلك فقد أيقظها والدها كعادته اليومية، واصطحبها معه على عربة «كارو» يستخدمها في توصيل البضائع لأصحاب المحلات، توسلت الصغيرة إلى والدها أن يتركها، لأنها لم تنم جيداً، لكنه لم يفعل.

ركبت الطفلة بجوار والدها، وسار في الطريق، قاصداً أحد زبائنه، ضاعف الأب من سرعة عربته في الطريق الخالي من السيارات، بعد أن سدد عدة ضربات بعصاه الغليظة إلى الحصان الذي يجر العربة، صوت حدوات الحصان عندما ترتطم أرجله بالأرض بدا كأنه لحن موسيقي، لكن اللحن لم يكتمل عندما انخلعت إحدى عجلات العربة، لتنقلب العربة بالحصان، وتطير الطفلة ووالدها في الهواء ثم يهويان على أسفلت الشارع.

استيقظت «منة» داخل المستشفى بعد ثلاثة أيام من الحادث، ليخبرها الأطباء أن والدها توفي، وأنها تعاني من إصابة في الرأس أفقدتها الوعي، وأن والدتها جاءت لزيارتها مرة واحدة، بكت الصغيرة بحرقة داخل المستشفى، كانت تشعر بالبرد والخوف والحزن لفراق والدها، اصطحبها أحد العمال في المستشفى إلى منزلها وعندما دخلت المنزل، وجدت رجلاً آخر مع والدتها، لكن الأم لم تنتظر حتى تسأل الطفلة عن سبب وجوده، فأخبرتها أنها تزوجت منه، وأنه الآن بمثابة والدها، ظلت الطفلة حبيسة المنزل عدة أيام لا تخرج منه.

مرت عليها الساعات ثقيلة والأيام كأنها دهر، وهي تسمع والدتها تغني طوال اليوم، وزوج والدتها يقبلها أمامها، حبست حزنها بداخلها، تريد أن تصرخ لكنها تعلم أن صرخاتها لن تفيد، وفي يوم أكثر برودة من اليوم الذي مات فيه والدها، وقف أمامها زوج والدتها ليخبرها أنها لم يعد مرحباً بها في المنزل، وأنه يجب عليها أن تتركه وترحل بلا عودة، نظرت الصغيرة إلى والدتها التي أدارت وجهها بعيداً عنها، لتخبرها بأن زوجها سيطلقها بسبب وجودها في المنزل، وأنها يجب أن تخرج منه دون عودة.

الشارع أصبح بيتها

انهارت «منة» باكية كما تروي لـ«الوطن»، لكن لم يهتم بحالها أحد، سواء والدتها أو الضيف الثقيل، دخلت إلى غرفتها، أمسكت بعروستها اللعبة احتضنتها بقوة وخرجت بصحبتها مسرعة من المنزل، دموعها المنهمرة تتساقط فوق عروستها التي لازالت تحتضنها.

سارت بصحبة لعبتها في الطريق تنثني حين ينثني وتعتدل حين يعتدل، لم تتوقف عن البكاء ولا عن المشي إلى أن وصلت إلى محطة سكك حديد الجيزة، لتجد مجموعة من الأطفال يتسولون في المنطقة، اقترب الأطفال منها سألوها عن حالها، فأخبرتهم أن والدتها طردتها من المنزل، أحضر لها الصغار سندوتشات فول وزجاجة بها ماء ودعوها إلى الانضمام إليهم، لأنهم جميعا أطفال شوارع يتسولون وينامون في أي مكان، سواء في مواقف السيارات أو أسفل الكباري.

حياة جديدة

الشارع أصبح بيتها تنام على الأرض وتغطي جسدها النحيل بأي شيء سواء بثياب ملقاة في القمامة أو بكراتين من الورق، حياة رغم مرارتها إلا أنها أفضل من العيش مع والدتها التي فضلت العيش مع رجل آخر غير والدها.

نسيت «منة» والدتها، وبدأت تتأقلم مع حياة الشارع أصبحت جزءًا منه، تعلمت كيفية التسول من الناس، وتعلمت أيضا فنون الكيف فأصبحت تشم «البنزين» كما يفعل أقرانها في الشارع، وتذوقت نشوة مخدر «الحشيش» معهم، ولم تسلم من تحرشات الأطفال الأكبر منها سناً، لكنها استطاعت أن تحافظ على نفسها رغم أنها كانت تشاهد العلاقات الجنسية بين الأطفال عندما يخلدون للنوم.

سنوات من التسول

ست سنوات قضتها منة في الشارع بحسب حديثها لـ«الوطن»، أصبح عمرها 16 عاما، كبرت الطفلة، وكل سنة تكبرها في عمرها كانت تزداد معها المخاطر، فكرت مع الفتيات اللاتي كبرن معها كيف سيستمرون في حياة الشارع والنوم وسط الذئاب البشرية التي قد تلتهمهم في أية لحظة، فقررن استئجار منزل قديم.

أصبح لديها سرير للمرة الأولى، بل يمكنها أن تشاهد التلفاز، كما أنها تستطيع أن تستحم بمياه دافئة، وتأكل طعاما معدا في المنزل، كان عدد الفتيات في المنزل القديم حوالي 20 فتاة بعضهن يحملن أوراقا ثبوتية، وأكثرهن ومن بينهم «منة» لا يحملن حتى شهادة ميلاد، فهي لا تعرف سوى اسم والدها واسم والدتها أما أجدادها فلا تعرف عنهم شيئا بل إنها لا تعرف حتى أسماءهم.

وصلت «منة» إلى محافظة سوهاج بصحبة صديقاتها المتسولات في رحلة لزيارة معالم ، وكان مقررًا لهن المكوث يوم واحد قبل العودة للجيزة، لكنها قررت البقاء، لأنها لأول مرة تشعر بالدفء، وأن الحياة جميلة: «قررت النوم مرة أخرى في الشارع، أقضي يومي في السباحة في نهر النيل وفي المساء أنام في ساحة أمام أحد المساجد».

عصابة جديدة

لم تكن «منة» بعيدة عن مرمى بصر «صابرين» السيدة التي لم تنجب أطفالا وزوجها من مدمني المواد المخدرة يسهر حتى الصباح وينام النهار.. لم يمض على وصول الفتاة للمحافظة سوى أيام، بعدها جاء من ينقذها من الشارع.

«صابرين» تلك السيدة التي تبلغ من العمر 45 عاما، تقيم في منزل بمدينة أخميم، عبارة عن طابق واحد مشيد بالطوب الأبيض ومسقوف بجريد النخيل، مساحة منزلها كبيرة فهو يحتوي على حديقة تقع في الجزء الخلفي من المنزل، والبيت عبارة عن ثلاث غرف، تسكن «صابرين» وزوجها في غرفة، أما الغرفتان فيسكن فيهما عشرة أطفال تم جلبهم من الشوارع التي كانوا ينامون فيها.

سرعان ما اكتشفت الطفلة الحزينة أن «صابرين» ترأس عصابة للتسول، وأنها لا تعطف على المشردين لوجه الله، فعملت لصالحها بعض الوقت، ثم تركتها ونامت في الشوارع من جديد، لكن «كتعة سوهاج» لم تسمح لها بالعيش داخل حدود المحافظة، وأرسلت وراءها طفلًا سدد لها طعنة في الوجه، سبب لها عاهة دائمة.

الحياة جميلة

تقول «منة» إن فكرة التخلص من حياتها سيطرت عليها لأيام، لكنها تنتظر الوجه الجميل للحياة، كتعويض عن سنوات القسوة والحرمان.. لا تتذكر الطفلة البائسة عنوان منزل والدها، فقررت التوجه لمحطة سكك حديد سوهاج لتستقل أول قطار ركاب متجه إلى الجيزة، لتكمل رحلتها إلى المجهول.

صدى العرب

صدى العرب محرك بحث اخبارى و تخلي صدى العرب مسئوليتها الكاملة عن محتوي الخبر مات والدها فاسودت الدنيا.. «منة» تبحث عن وجه جميل للحياة - المحافظات - او الصور وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر الوطن كما يتحمل الناشر الاصلى حقوق النشر و وحقوق الملكية الفكرية للخبر .تم نقل هذا الخبر اوتوماتيكيا وفي حالة امتلاكك للخبر وتريد حذفة او تكذيبة يرجي الرجوع الي المصدر الاصلي للخبر اولا ثم مراسلتنا لحذف الخبر
نشكر كل متابعينا ونعدكم دائما بتقديم كل ما هو افضل

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق محافظ سوهاج يبحث آليات تطوير 181 قرية ضمن المبادرة الرئاسية - المحافظات -
التالى غلق وتشميع 9 مراكز للدروس الخصوصية بـ دمنهور .. صور